مستشفى الشفاء يؤكد وصول جثامين الأب وابنته إثر غارة بمدينة غزة

The Verificat + وكالات
قُتل أب فلسطيني وطفلته البالغة ثماني سنوات في غارة إسرائيلية على مدينة غزة، في واقعة جديدة تضع وقف إطلاق النار المعلن منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025 مجدداً أمام تساؤلات حول مدى قدرته على حماية المدنيين في ظل استمرار وقوع ضربات متفرقة وسقوط ضحايا.
قال مسؤولون صحيون فلسطينيون إن الغارة أدت إلى مقتل يوسف عقيلة وابنته وفاء، البالغة ثماني سنوات، وإصابة ستة أشخاص آخرين. وأكد مدير مستشفى الشفاء، محمد أبو سلمية، وصول جثماني الأب والطفلة إلى المستشفى.
وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، قُتل فلسطينيان آخران على الأقل في هجمات إسرائيلية منفصلة، بينهما طفلة، لترتفع حصيلة القتلى خلال اليوم إلى أربعة، وفق ما نقلته رويترز عن مصادر طبية فلسطينية.
من جهته، قال الجيش الإسرائيلي إن الغارة التي أودت بحياة عقيلة وابنته استهدفت عنصراً في حركة حماس، مضيفاً أنه يراجع نتائج العملية. ولم يقدم الجيش، في الساعات الأولى التي أعقبت الهجوم، تفاصيل علنية تثبت هوية الشخص المستهدف أو تفسر كيفية سقوط الضحايا المدنيين.
هدنة قائمة.. وضربات لا تتوقف
الوقائع تأتي في ظل وقف إطلاق النار المدعوم أميركياً والساري في غزة منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
مع ذلك، لم تتوقف العمليات العسكرية تماماً، إذ نفذت إسرائيل ضربات متفرقة قالت إنها تستهدف عناصر مسلحة أو تحبط هجمات وشيكة، بينما تتهم حركة حماس إسرائيل بانتهاك الاتفاق وعرقلة تنفيذ بنوده المتعلقة بمراحل الانسحاب والترتيبات الأمنية ونزع السلاح.
وتظهر الوقائع الميدانية أن وجود اتفاق سياسي لوقف إطلاق النار لم يترجم بعد إلى شعور استقرار أمني لدى سكان القطاع، خصوصاً مع استمرار سقوط قتلى وجرحى في حوادث متفرقة.
ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استمرت الخسائر البشرية في غزة خلال أشهر الهدنة، وسجلت وزارة الصحة في القطاع حتى أواخر آب/أغسطس أكثر من 1,300 وفاة منذ إعلان وقف إطلاق النار، فيما أشارت الأمم المتحدة إلى استمرار تعرض المدنيين والبنية التحتية للخطر نتيجة العمليات العسكرية.
مقتل الأطفال يعمق أزمة الثقة
تمثل حوادث مقتل الأطفال أثناء فترة الهدنة أكثر من خسارة إنسانية مباشرة؛ إذ تؤثر على قدرة الاتفاق نفسه على الصمود من خلال توسيع فجوة الثقة بين السكان والجهات التي يفترض أن توفر لهم الحماية بعد توقف الحرب.
كل حادثة يسقط فيها مدنيون، ولا سيما الأطفال، تزيد الضغوط على الوسطاء وتمنح أطراف الصراع مادة جديدة لتبادل الاتهامات وتبرير خطوات عسكرية لاحقة، ما يرفع خطر تحول ضربات متفرقة إلى دورة تصعيد أوسع.
ولهذا، لا يكفي تحديد ما إذا كان شخص مسلح موجوداً في موقع الضربة من عدمه. فحتى في حال وجود هدف عسكري، تبقى أسئلة متعلقة باختيار السلاح والتوقيت وموقع الهجوم وتقدير الخسائر المدنية المتوقعة والإجراءات التي اتُخذت لتقليلها.
ويفرض القانون الدولي الإنساني على الأطراف المتحاربة مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين، وهي التزامات تبقى قائمة بغض النظر عن الاتهامات المتبادلة بشأن خرق الهدنة.
المستشفيات.. السجل الأول للضحايا
في غزة، حيث دُمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية وتعقد وصول الصحفيين والمراقبين المستقلين إلى مواقع كثيرة، تمثل المستشفيات والطواقم الطبية أحد أهم المصادر الأولية لتحديد أسماء الضحايا وأعداد المصابين.
لكن البيانات الطبية وحدها لا تكفي للإجابة عن جميع الأسئلة المتعلقة بملابسات الضربة.
فالتحقق الكامل يتطلب، متى أمكن ذلك، تحديد توقيت الهجوم وموقعه بدقة، وفحص آثار الذخيرة ومسار الضربة، ومعرفة ما إذا صدر تحذير مسبق، ومقارنة الروايات العسكرية مع الصور والشهادات والأدلة الميدانية المستقلة.
وتزداد أهمية هذه المقارنة في ظل اختلاف الروايات بشأن هوية المستهدفين وطبيعة الأنشطة العسكرية في المناطق المدنية.
وفي المقابل، تواجه المنظومة الصحية نفسها ضغوطاً شديدة. وكانت منظمة الصحة العالمية قد سجلت خلال عام 2026 عشرات الحوادث التي أثرت في الرعاية الصحية وعمليات النقل والإجلاء الطبي داخل غزة.
اختبار للوسطاء
تضع الحوادث الأخيرة الوسطاء أمام اختبار يتجاوز مجرد الحفاظ على إعلان وقف إطلاق النار، إذ تحتاج الهدنة القابلة للحياة إلى آلية فعّالة وسريعة للتحقيق في الحوادث تسمح بتحديد ما حدث ومن يتحمل المسؤولية.
يمكن أن تشمل هذه الآلية إخطاراً سريعاً بأي عملية عسكرية تنفذ خلال فترة وقف النار، يتضمن مكانها والهدف المعلن منها، يتبعه فحص للأدلة ومقارنة النتائج بالسجلات الطبية والشهادات والصور المتاحة.
ولا يمكن لمثل هذه الإجراءات أن تحل محل التحقيق القضائي المستقل عند الاشتباه في وقوع انتهاكات، لكنها قد تقلل مساحة التضليل وتساعد على منع تحول كل حادثة إلى ذريعة لتصعيد جديد.
ما الذي سيحدد مسار القضية؟
الخطوة التالية ستكون متابعة نتائج المراجعة التي أعلن الجيش الإسرائيلي إجراءها بشأن الضربة التي قتلت يوسف عقيلة وابنته وفاء.
وستكتسب هذه المراجعة أهمية أكبر إذا تضمنت معلومات محددة عن هوية الهدف المعلن، والظروف التي أحاطت بالهجوم، وتقدير الخطر على المدنيين، وأسباب سقوط الضحايا.
كما ستبقى الحصيلة قابلة للتحديث مع ورود معلومات جديدة بشأن المصابين والحوادث الأخرى التي شهدها القطاع في اليوم نفسه.
وبالنسبة إلى الصحافة، يجب الفصل بوضوح بين ما تؤكده السجلات الطبية، وما تعلنه الأطراف العسكرية، وما يمكن إثباته بصورة مستقلة. فإعلان أحد الأطراف أن شخصاً ما كان هدفاً عسكرياً لا يحول الادعاء تلقائياً إلى حقيقة مثبتة، كما أن وجود هدف محتمل لا يلغي الحاجة إلى التحقيق في سقوط المدنيين.
الهدنة تقاس بما تمنعه
بعد أشهر من بدء وقف إطلاق النار، لم يعد نجاح الاتفاق يقاس فقط بانخفاض حجم العمليات العسكرية مقارنة بذروة الحرب، بل بقدرته على منع مقتل المدنيين وتقليل احتمالات العودة إلى مواجهة واسعة.
وتكشف حادثة مقتل أب وطفلته في مدينة غزة عن الفجوة التي لا تزال قائمة بين نص الاتفاق والواقع اليومي للسكان.
فالهدنة التي لا تقترن بآليات مراقبة وتحقيق ومساءلة وحماية فعلية للمدنيين تظل معرضة للتآكل مع كل حادثة جديدة.
وفي غزة، حيث ما زالت آثار الحرب تحيط بالسكان من كل جانب، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ليس فقط من خرق وقف إطلاق النار؟، بل أيضاً هل يملك الاتفاق أدوات تمنع أن يتحول الخرق التالي إلى ضحية جديدة؟
المصادر: رويترز، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (OCHA)، منظمة الصحة العالمية (WHO).



